الشيخ أحمد فريد المزيدي

274

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

هيبته ، وصفا شربه من كأس ودّه ، وانكشف له الجبار من أستار غيبه ؟ فإن تكلم فباللّه ، وإن نطق فمن اللّه ، وإن تحرك فبأمر اللّه ، وإن سكن فمع اللّه ، وهو باللّه وللّه ومع اللّه انتهى . فقالوا : ما على هذا مزيد يا تاج العارفين « 1 » . قال الجنيد : المحبة نفسها قرب القلب من اللّه بالاستنارة والفرح ، فأما حبّ تجلي الصفات عن الأسماء الباطنة فإنا لم نذكر منها شيئا ، وإنما ذكرنا محبة الأخلاق عن الأسماء الظاهرة ، ولا أحسب بأنه يحلّ رسمه في كتاب ولا كشفه لعموم ؛ لأنه من سرّ المحبة لا يكاشف به إلا من اطلع عليه ، ولا يتحدث به إلا من أعطيه ، وما رأيت أحدا رسمه في كتاب ؛ لأنه لا يؤخذ من كتاب ، وإنما يتلقى من أفواه العلماء وينسخ من قلب إلى قلب « 2 » . سئل الجنيد عن المحبة : أمن صفات الذات أم من صفات الأفعال ؟ فقال : إن محبة اللّه لها تأثير في محبوبه بيّن ، فالمحبة نفسها من صفات الذات ، ولم يزل اللّه تعالى محبّا لأوليائه وأصفيائه ، فأما تأثيرها فيمن أثرت فيه فإن ذلك من صفات الأفعال ، فاعلم أرشدك اللّه للصواب « 3 » . قال أحمد بن الحسين البصري : حضرت مجلس الجنيد قدّس اللّه سرّه ، فسأله رجل مسألة ؟ فأنشد « 4 » : نم على سرّ وجده النفس * والدمع من مقلتيه ينبحس موله هائم له حرق * أنفاسه بالحنين تختلس مهذّب عارف له فطن * من نور أنس الحبيب يقتبس يا أبي الأشعث الغريب فتى * ليس له جون ، سؤله أنس يا بأبي جسمه الزكي وإن * كان عليه خليق دنس

--> ( 1 ) هذه رواية أخرى عند الشيخ ابن عجيبة رحمه اللّه ، وعقب بقوله : وهذا الوصف صادق بأهل السلوك والجذب ، واللّه تعالى أعلم . انظر : الإيقاظ ( 2 / 101 ) . ( 2 ) انظر : القوت لأبي طالب ( 2 / 119 ) . ( 3 ) انظر : حلية الأولياء ( 10 / 281 ) . ( 4 ) اللمع للطوسي ( ص 319 ) .